فخر الدين الرازي
164
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
في الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ يحتمل أن يكون راجعا إلى المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين ، لأن عود الضمير إلى الأقرب أولى ، ويكون التقدير أنه تعالى أقسم بنفسه أن يسأل هؤلاء المقتسمين عما كانوا يقولونه من اقتسام القرآن وعن سائر المعاصي ، ويحتمل أن يكون راجعا إلى جميع المكلفين لأن ذكرهم قد تقدم في قوله : وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [ الحجر : 89 ] أي / لجميع الخلق وقد تقدم ذكر المؤمنين وذكر الكافرين ، فيعود قوله : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ على الكل ، ولا معنى لقول من يقول إن السؤال إنما يكون عن الكفر أو عن الإيمان ، بل السؤال واقع عنهما وعن جميع الأعمال ، لأن اللفظ عام فيتناول الكل . فإن قيل : كيف الجمع بين قوله : لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ وبين قوله : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ [ الرحمن : 39 ] أجابوا عنه من وجوه : الوجه الأول : قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : لا يسئلون سؤال الاستفهام لأنه تعالى عالم بكل أعمالهم ، وإنما يسئلون سؤال التقريع يقال لهم لم فعلتم كذا ؟ ولقائل أن يقول : هذا الجواب ضعيف ، لأنه لو كان المراد من قوله : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ سؤال الاستفهام لما كان في تخصيص هذا النفي بقوله يومئذ فائدة لأن مثل هذا السؤال على اللّه تعالى محال في كل الأوقات . والوجه الثاني : في الجواب أن يصرف النفي إلى بعض الأوقات ، والإثبات إلى وقت آخر ، لأن يوم القيامة يوم طويل . ولقائل أن يقول : قوله ، فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ [ الرحمن : 39 ] هذا تصريح بأنه لا يحصل السؤال في ذلك اليوم ، فلو حصل السؤال في جزء من أجزاء ذلك اليوم لحصل التناقض . والوجه الثالث : أن نقول : قوله : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ يفيد عموم النفي وقوله : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عائد إلى المقتسمين وهذا خاص ولا شك أن الخاص مقدم على العام . أما قوله : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ فاعلم أن معنى الصدع في اللغة الشق والفصل ، وأنشد ابن السكيت لجرير : هذا الخليفة فارضوا ما قضى لكم * بالحق يصدع ما في قوله حيف فقال يصدع يفصل ، وتصدع القوم إذا تفرقوا ، ومنه قوله تعالى : يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ [ الروم : 43 ] قال الفراء : يتفرقون . والصدع في الزجاجة الإبانة ، أقول ولعل ألم الرأس إنما سمي صداعا لأن قحف الرأس عند